سعيد حوي

80

الأساس في التفسير

تفسيرها وجوه كثيرة نختار منها وجها : أنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف وهي في متناول المخاطبين به من العرب ، ولكنه مع هذا هو ذلك الكتاب المعجز الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله . الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله ، فلا يملكون لهذا التحدي جوابا . والشأن في هذا الإعجاز : هو الشأن في خلق الله جميعا ، وهو مثل صنع الله في كل شئ وصنع الناس . إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات ، فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة ، أو آجرة ، أو آنية ، أو أسطوانة ، أو هيكل ، أو جهاز كائنا في دقته ما يكون ، ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة ؛ حياة نابضة خافقة تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز ، سر الحياة . السر الذي لا يستطيعه بشر ولا يعرف سره بشر ، وهكذا القرآن حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا . والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض ، هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة » . أقول وصدق الله العظيم وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ( سورة الشورى ) هذه الملاحظة التي سجلها صاحب الطلال ببيانه المشرق سجلها علماء المسلمين قديما ، إلا أنه في عصرنا - فيما أعلم - سجلت ملاحظة أخرى إضافية حول هذه الأحرف وهي ما ذكرناه في الفصل السابق من أن فواتح السور - ومنها الأحرف - هي مفتاح من مفاتيح الوحدة القرآنية ، وهذا الموضوع سيتضح لنا شيئا فشيئا في هذا التفسير . ولنكتف هنا بتسجيل هاتين الملاحظتين حول الأحرف التي افتتحت بها بعض السور ، ولنا عودة على ما قيل في هذه الأحرف في أول سورة يونس حيث أول القسم الثاني من أقسام القرآن .